كيف للإنسان أن يتذكر بعض التفاصيل التي عاشها في عمر الخامسة، ولا يتذكر غيرها؟ هل لأننا كنا نشعر بشيء مختلف حينها؟ أم لأننا عشنا شيئًا حُفر في قلوبنا بدلًا من ذاكرتنا؟
كلما مشيت في شوارع دمشق، تعود لي ذكرياتي مع أبي، كأنها فيلم بالأبيض والأسود يدور أمامي. عندما كان يمسك بيدي وأنا أرافقه إلى العمل، وأسأله عن كل شيء أراه.
لكن هناك سؤال واحد لم أنسَ جوابه إلى الآن.
عندما مررنا يومًا بجانب لوحة كُتب عليها «أبراج دمشق»، وعليها تصاميم معمارية لمشروع مقابل مبنى وكالة سانا، سألته حينها: متى سينتهون من بناء هذه الأبراج؟
اكتفى أبي بالضحك حينها...
وعندما كبرت، فهمت إجابة أبي. ولا يزال الإعلان إلى يومنا هذا في مكانه، كما كان.
هذه دمشق، مدينة لا تتغير معالمها بسهولة، وتسير ببطء. تغيب عنها عشرة أعوام، ثم تعود لتجد الكثير مما تركته كما هو، أو ربما أسوأ. كأنها مدينة أرادت أن تحفظ لك ذكرياتك كما تركتها.
وربما هذا ما يجعل من يعود إليها محمّلًا بذكرياته يحبها، بينما من يأتيها لأول مرة يشعر وكأن الزمن قد توقف فيها.
ربما لأننا لا نمشي في شوارعها وحدنا، بل نمشي فيها بذكرياتنا، وذكريات من مشينا معهم يومًا في هذه الشوارع.
أذكر اليوم الذي توجهت فيه إلى المطار للهجرة. كانت من أسعد لحظات حياتي، ولا أخفي ذلك. كانت سوريا بالنسبة لي حينها أشبه بحظيرة؛ مكانًا لا أرى فيه مستقبلًا ولا أملًا.
وما الإنسان من دون الأمل بأن غدًا سيكون أفضل؟
رافقني هذا الشعور، وعدم الرغبة في العودة، لسنوات طويلة... إلى أن سقط نظام الأسد.
بعدها تغيّرت كل المشاعر، وأصبح السؤال متى سأعود؟
واليوم، لم يعد الأمر مجرد أمل بأن يتغير شيء. لقد تغير الكثير فعلًا، وأصبحت سوريا مختلفة عمّا تركناه بمراحل. ويكفي بالنسبة لي أنك تستطيع اليوم أن تحلم، وأن تعمل، وأن تبني شيئًا لك، دون أن تشعر أن هناك من ينتظر ليسرق منك تعبك وما صنعت.
ولا يزال هناك الكثير الذي نتمناه، والكثير الذي يحتاج إلى وقت... لكن الفرق أن الأمل اليوم لم يعد فقط بأن يكون الغد أفضل، بل أصبح هناك سبب حقيقي يجعلنا نؤمن بذلك.
وربما ستُبنى تلك الأبراج أخيرًا يا أبي...
خرجت من سوريا قبل ١١ عامًا لأحقق ما حلمت به، وكم أتمنى لو أنك اليوم عدت معي.
لأمشي معك في كل مكان مشيتَ بي فيه وأنا طفل، وأذكّرك بكل حديث دار بيننا في هذه الشوارع.
وأشتري لك ساندويش المقالي بدون الباذنجان.
وأخبرك أنني ما زلت أذكر ذلك اليوم عندما طلبت منك أن نأكل، وطلبتَ ساندويشتك بدون باذنجان. كانت المرة الأولى التي أعرف فيها أنك لا تحب الباذنجان.
كنت وقتها أريد أن أكون مثلك في كل شيء، حتى في الأشياء التي تحبها والتي لا تحبها...
لكنك علمتني، دون أن تقصد ربما، أن أجرّب بنفسي، وأن أتخذ قراراتي بنفسي، وأن أتعلم من تجاربي.
رحم الله روحك، حتى نلتقي في عالم آخر.





جمعك الله وإياه في جنان الخلد
يمر الإنسان بمشاعر كثيرة ولربما أصعبها الفقد، وتكمن التحولات العظمى في حياة المرء في عذابات هذا الفقد..
أثق أن روحه تراقبك من مكان بعيد، راضية وفخورة بما وصلت إليه وحققته